التدريبات اللغوية والقواعد

تعليم القواعد بين المعارضين والمؤيدين :

كان تعليم القواعد من المشكلات التي تبحث عن حلول منذ زمن طويل ، ولقد بدأ التفكير في اقتراح حلول وطرائق من شأنها أن تخفف من حدة هذه المشكلة على مختلف العصور .

 

ولقد استشعر أدباؤنا وعلماؤنا الأوائل هذه القضية ، فعرضوا تصورهم للسبل المجدية في تعلمها ، منطلقين من فهمهم للأغراض التي تؤديها القواعد في ضبط اللغة وفهمها ، وأنها ليست غاية مقصودة لذاتها بل هي وسيلة لضبط لغة المتعلم . يقول الجاحظ في إحدى رسائلة "وأما النحو فلا تشغل قلب الصبي به إلا بمقدار ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه ، وشعر إن أنشده ، وشيء إن وصفه ، وما زاد على ذلك فهو مشغلة له عما هو أولى به من رواية المثل السائر والخبر الصادق والتعبير البارع ، وإنما يرغب في بلوغ غاية النحو ومجاوزة الاقتصار فيه من لا يحتاج إلى تعرّف جسميات الأمور ، ومن ليس له حظ غيره ، ولا معاش سواه ، وعويص النحو لا يجدي في المعاملات ، ولا يضطر إليه في شيء" .

 

ويقول إبن خلدون في مقدمته "النحو من العلوم الآلية التي ينبغي أن لا ينظر فيها إلا من حيث هي وسيلة لغيرها ، ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل ، لأن ذلك يخرجها عن المقصود ، وكلما خرجت عن ذلك صار الاشتغال بها لغواً مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها ، وربما يكون ذلك عائقاً عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات . فلذا يجب على معلمي هذه العلوم الآلية ألا يستبحروا من شأنها ، بل يكتفوا بتنبيه المعلّم إلى الغرض منها ويقفوا به عنده ، فمتى نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل فليرق له ما يشاء من المراقي صعباً أو سهلاً" .

 

وفي العصر الحديث دعت بعض المؤسسات التعليمية وبعض مجامع اللغة العربية كما دعا بعض المفكّرين والمربّين العرب إلى تسهيل القواعد ، واتجهت الجهود إلى تيسير النحو في مناهجه وفي الكتب المؤلّفة لتعليمه وفي طرائق تعليمه ، ولكن المشكلة رغم تلك الجهود تظل قائمة ، وذلك لسبب تشعب قواعد النحو ، وعلى سبيل المثال فإن القاعدة التي توضع لتدل على حُكُم عام يتعلّق بقضية نحوية ، لا ينطبق تماماً على جميع أشكال وصور هذه القضية . إذ تجد أن القاعدة التي تصف الفاعل بأنه اسم مرفوع بالضمة أو علامة رفعه الضمة ، لا ينطبق إلى على الأسماء المفردة ، وعلى جمع المؤنث السالم وجمع التكسير ، وليس الحال كذلك في المثنى وجمع المذكّر السالم والأسماء الخمسة ، فالقاعدة الواحدة تصبح عدة قواعد ، وكل منها له ظروف خاصة .

 

إن تعدّد الأشكال الدّالة على قاعدة واحدة يجعل من تعلّم القواعد أمراً غير يسير مهما يسّرت القواعد وبسّطت أشكالها .

 

وقد ارتفعت في أيامنا دعوات تنادي بالاستغناء عن تعليم القواعد بالطريقة المقصودة ، والاكتفاء بتدريب المتعلمين على محاكاة الأساليب الصحيحة في القراءة والكتابة ، وقد احتجّ هؤلاء الدعاة بما ينسب إلى القواعد من صعوبة ، ولكونها تحليلاً فلسفياً منطقياً، ولأنها من الأمور التجريدية ، ولأن الطلبة يحفظونها غيباً ولا يوظفونها في لغتهم .

 

ورأى آخرون أن تدريس القواعد ضرورة لا غنى عنها ، لأنها تساعدهم على ضبط لغتهم ، ولأن نماذج المحاكاة الصحيحة غير متوفرة في البيئة المدرسية أو البيتية ، وأن تعليم القواعد يدرّب التلاميذ على دقة التفكير واستخدام العقل والقياس المنطقي . ورأوا أن الأسباب التي دعت إلى وضع النحو في القرن الهجري الأول – وهي فساج السليقة اللغوية بسبب اختلاط العرب بغيرهم – ما زالت قائمة في هذا العصر ، بل إن الحال الآن أسوأ منها فيما مضى ، فمزاحمة العامية واللغات الأجنبية للغة العربية تكاد تقصر تعلمها على الحصص المخصصة لها في جدول الدراسة فحسب .
 

 
main page next