القسم الأول >>  تعريف الخلق  ، وبيان أنواعه وتقسيماتها

الخلق

 

    سنتعرض في هذه المقدمة لتعريف الخلق من الناحية اللغوية والاصطلاحية والتعرض للضوابط التي تميز بين ما هو من قبيل الأخلاق وما ليس منها ، كما نتعرض لبيان بعض المصطلحات ذات الصلة كالسلوك والغريزة .. والفرق بينها وبين الأخلاق .

تعريف الخلق من الناحية اللغوية :

الخَلق والخُلق في الأصل واحد ولكن خص الخَلق – بفتحة على الخاء - بالهيئات ، والأشكال ، والصور المدركة بالبصر . وخص الخُلق – بضمة على الخاء -  بالسجايا والطباع المدركة بالبصيرة . قال تعالى ) وإنك لعلى خلق عظيم ( أي : لعلى دين عظيم ، وقال تعالى ) إن هذا إلا خلق الأولين ( أي عاداتهم ودينهم الذي كانوا يدينون به .

والخلاصة :إن الخلق في اللغة يطلق على: الطبع والسجية والمروءة والدين والعبادة

الخلق بمعناه الاصطلاحي :

عرف الخلق بانه " عبارة عن هيئة في النفس راسخة ، عنها تَصدر الأفعال بسهولة ويسر ، من غير حاجة إلى فكر وروية " .

تحليل التعريف :

 الخُلق هيئة في النفس:أي أنه صفة للجانب النفسي من الإنسان كما أن الخَلق- بفتح الخاء- صفة للجانب الجسدي منه ، إلا أن هيئات النفس منها ما يتعلق بالجانب العقلي والمعرفي ، ومنها ما يتصل بالجانب العاطفي والانفعالي ، ومنها ما يتصل بالجانب الإرادي ، فأي هذه الجوانب تعد الأخلاق هيئة أو صفة له ؟ لا شك أنه الجانب الإرادي ومن هنا يأتي القول بأن الخلق : " قوة راسخة في الإرادة تنزع بها إلى اختيار ما هو خير وصلاح أو ما هو شر وجور "

وعلى هذا فإن وصف شخص ما بأنه ذكي أو جيد الذاكرة أو كونه صاحب خيال واسع أو صاحب ذوق ، لا يدخل في الجانب الأخلاقي لبعده عن جانب القصد والإرادة وليس له دخل في الحكم على الشخص بأنه بر أو فاجر .

إن الخلق هيئة راسخة : أي مستقرة ثابتة غير عارضة ، فهى تمثل عادة لصاحبها ، تتكرر كلما حانت فرصتها ، ويتفرع من هذه النقطة مسألتان :

أولاهما : إن هذه الصفة إن لم تكن مستقرة فليست جديرة بأن تسمى خلقا ، فمن بذل المال مرة لحاجة عارضة لا يقال إنه سخي أو كريم ، وهو لا يستحق هذه الصفة حتى يصبح البذل عادة له.

أما الثانية : فإن وصف الخلق بأنه هيئة راسخة يذكرنا بهيئات أخرى راسخة في النفس وهي الدوافع ويعبر عنها بالغرائز هذه الدوافع منها ما هو فسيولوجي يتعلق بالطعام والشراب والنوم والجنس ، ومنها ما هو سيكولجي كالميل إلى الاجتماع والميل لتأكيد الذات والميل إلى التملك... والذي يفرق بينها - الدوفع أو الغرائز -  وبين الأخلاق أمران :

أحدهما : أن الدوافع لا تخضع للمدح أو الذم ، بينما تتميز الأخلاق عنها كون آثارها في السلوك قابل للمدح أو الذم  . 

فالأكل عند الجوع بدافع الغريزة ليس مما يمدح أو يذم في باب السلوك الأخلاقي ، لكن الشره الزائد أمر مذموم لأنه أثر لخلق في النفس مذموم هو الطمع المفرط ، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس ممدوح هو القناعة .

والحذر من وقوع مكروه أثر من آثار غريزة حب البقاء وليس محلا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي ، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم هو الجبن ، أما الإقدام الذي لا يصل إلى حد التهور فهو أثر لخلق في النفس ممدوح هو الشجاعة .... وهكذا سائر الغرائز والدوافع النفسية التي لا تدخل في باب الأخلاق ، إنما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمور طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تُذم . 

ثانيهما: إن الدوافع والغرائز جميعها فطرية . أما الأخلاق فمنها الغريزي ومنها المكتسب .

  إن هذه الهيئة الراسخة في النفس عنها تَصْدُر الأفعال بسهولة ويسر :

وهنا أمران ينبغي الإشارة إليهما :

الأمر الأولى : التفريق بين الخلق و السلوك :

ويظهر ذلك جليا في التعريف حيث يقول ( إن الخلق هيئة نفسية راسخة عنها تصدر الأفعال ) أي عن تلك الهيئة النفسية الراسخة التي هي الخلق تَصْدر الأفعال ، وهو ما يعبر عنه بالسلوك .

وعليه فإن الفرق بين الخلق والسلوك يتجلى في أن الخلق كما ذكرنا صفة ذاتية وهيئة نفسية ، بينما السلوك هو الفعل الذي يُعبِّر عن تلك الهيئة النفسية .

فإذا كان الخلق صفة النفس الباطنة ، وهو يدرك بالبصيرة ، فالسلوك هو الصورة الظاهرة ، وهو يدرك بالبصر ، وعليه فإننا نستطيع أن نقول : إن العلاقة بين الخلق والسلوك هي علاقة الدال بالمدلول . فإذا كان سلوك الإنسان حسناً محموداً كان خلقه حسناً محموداً ، وإذا كان سلوكه سيئا مذموماً ، كان خلقه كذلك سيئا مذموماً ، وهذا الأمر ليس على إطلاقه بل مع ملاحظة أمرين هما :

1- عدم وجود  أسباب خارجية تؤثر على السلوك ، فتجعله لا يدل دلالة صادقة على الخلق ، كمن يتصدق رياء أو تملقا لبعض الحاضرين .

2- وأيضا عدم وجود موانع تمنع من دلالة السلوك على الخلق ، كالشخص الكريم الذي لا يجد ما يجود به ، والشجاع الذي لا يجد فرصة لإظهار شجاعته.

 الأمر الثاني : عدم التكلف ، وعبر عنه في التعريف بقوله (بسهولة ويسر ) وعليه فإن الفعل أو السلوك لا يكون معبرا عن حقيقة الخلق إلا بتوفر شرطين :

الأول : أن يحصل الفعل منه بصورة متكررة كل ما اقتضت الحاجة ، فيكون هذا التكرار مؤشرا على وجود قوة راسخة ونزعة ثابتة في النفس . فالشخص الذي لا يقع منه الجود إلا مرة واحدة لا تطلق عليه صفة الكرم ، ومن يقع منه الإقدام مرة لا يسمى شجاعا .

والثاني : أن يكون هذا الفعل صادر من غير تكلف وبصورة تلقائية عن النفس ، وليس استجابة لمؤثرات خارجية كالخوف أو الحياء ... الخ ، مما يجعل صدور الفعل حينذاك تكلفا يتنافى مع سجية صاحبه وخلقه . كما قال الإمام الغزالي رحمه الله : من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم .

مما تقدم يمكن القول بأن الفعل قد يكون خادعا في بعض الأحيان إذا لم يكن عادة مستقرة ، كم قال الشاعر :

صلى وصام لأمر كان يقصده      فلما قضى الأمر لا صلى ولا صاما

ولذا كان من السنة إذا سئل أحدنا عن رأيه في فلان من الناس أن يقول إذا كان ظاهر حاله السلامة والاستقامة : أحسبه ..كذا ولا أزكي على الله أحدى

- من غير فكر ولا روية: أي من غير تردد ، وبصورة عفوية لا تخضع للحساب والمراجعة وتقليب الرأي وإعمال الفكر ، ولا يقصد بذلك أن يكون عملا لا إراديا وإنما المقصد : أنه من شدة تلقائية العمل وتسارع أدائه تكون مساحة التفكير في الأداء ضئيلة جدا حتى كأنها تتلاشى أمام تسارع العمل .

ومن ناحية أخرى : إن عدم التردد وعفويته وعدم إخضاعه للحساب والمراجعة كل ذلك في أصل الفعل ، أما متعلقاته فالأمر يختلف لاحتياجه تقنين وتوجيه ذلك الفعل توجيها سليما ، فالكريم لا يتردد عند العطاء والبذل ، لكنه يتخير جهة الخير ، أو نوعه ، أو الشخص الذى يمنحه ، أو الجهة التي تستحق العطاء فالتردد والتفكر ليس في أصل البذل وإنما في متعلقاته